lundi 19 novembre 2007

الدكتور عبدالإله الراوي : مشاهدات في العراق قبيل الاحتلال

د. عبدالإله الراوي : مشاهدات في العراق قبيل الاحتلال

آثار تدهور الوضع المعيشي على انهيار الجيش العراقي

صحيفة القدس العربي . 2-3/8/2003

إن هناك أسبابا عديدة وراء الانهيار السريع للنظام العراقي السابق . داخلية وخارجية ، وكذلك مباشرة وغير مباشرة ولكننا في هذا المقال البسيط سنحاول ذكر سببين رئيسيين ثم عرض أحد الأسباب الذي نعتقد بأهميته.

السببان هما :
1- عدم المصالحة مع الشعب . حيث كان المفروض من النظام السابق أن يفكر أولا في الجبهة الداخلية ، أعني الشعب طبعا .

وعملية المصالحة لا تتم فقط من خلال إطلاق سراح السجناء ، كما تصور النظام ، ولكن من خلال السماح للشعب بالتعبير عما يعانيه من أزمات أو طرح ما يفكر به لإيجاد الوسائل الكفيلة التي تؤدي إلى بناء العراق والأمة العربية وتحقيق التقدم والرفاهية لبناء الوطن .

2- وقوف السلطات الإيرانية الرسمية والدينية على الحياد بين النظام العراقي السابق وبين الأمريكان وأعوانهم .
وهذا الموقف أثر بشكل مباشر ، ويا للأسف ، على موقف الحوزة العلمية في النجف وكذلك على موقف الكثير من إخواننا الشيعة في العراق .

أما السبب الذي سنقوم بعرضه في مقالنا هذا والذي نعتقد بأنه يشكل أحد الأسباب الجوهرية والمباشرة التي أدت إلى زعزعة الدفاعات العراقية أمام الغزو الانكلو – أمريكي ، يكمن - إضافة لخيانة بعض الضباط - في الركائز غير المتماسكة التي استند عليها النظام .

وستوضح هذه الكلمة افتقار ذلك النظام إلى العمق الشعبي ، وإنه لا الجيش العراقي ولا حتى جماهير حزب البعث العربي الاشتراكي ، لم يكونوا مستعدين للدفاع عن النظام المذكور . والذين قاوموا القوات الغازية لم يكونوا يقاومون لمصلحة النظام ولكن دفاعا عن العراق .

وفي هذا المجال سنحاول ، ما أمكن ، عدم الخوض في التفاصيل بل التركيز على بعض الجوانب التي نعتقد بأن لها دورا كبيرا في الانهيار السريع لهذا النظام .

ولكن قبل أن نتطرق إلى بحث هذا الموضوع نود أن ننبه القارئ بان ما نطرحه يجب أن لا يعتبر مبررا لقيام قوات الشر بغزو العراق ولا ذريعة لعملاء أمريكا ، والذين يطلق عليهم مجموعات المعارضة للنظام السابق ليخونوا بلدهم ويبيعوا ضمائرهم ، إن كانت لديهم ضمائر ، للصهيونية العالمية ولأمريكا انتظارا لتحقيق مصالح شخصية على حساب كرامة ومقدرات العراق والعراقيين .

أولا : قضية الرواتب والمكافآت بالنسبة للضباط والموظفين والبعثيين .

إن كافة وسائل الإعلام وبالأخص الغربية كانت تشير وبشكل مبالغ فيه بأن صدام حسين كان يستولي على أموال العراق لغرض شراء الأسلحة وتوزيع رواتب خيالية إلى ضباط الجيش ، وبشكل خاص ضباط الحرس الجمهوري ، وإلى البعثيين .

ونظرا لكون موضوع المبالغ التي صرفت لشراء الأسلحة يحتاج إلى دراسة خاصة لذا سيقتصر بحثنا على الجانب الثاني ، ألا وهو قضية الرواتب والمكافآت التي يحصل عليها الضباط وبعض الموظفين والبعثيين .

1- الرواتب والمكافآت للضباط والموظفين :
في سبيل بحث موضوع ما يحصل عليه بعض الضباط والموظفين من ميزات خاصة رأينا أن نقوم بوضع سلم بسيط لتوضيح ما تستلمه كل مجموعة على حدة .

أ‌- بالنسبة للمحسوبين ضمن الدرجة الأولى : إن الذين ممكن تصنيفهم ضمن هذه المجموعة يستلمون ، إضافة إلى رواتبهم العادية ، مكافآت مجزية . وهذه المكافآت تسمى هدايا المناسبات ، وعددها يتراوح بين 12 إلى 14 مناسبة سنويا ( من هذه المناسبات ، حسبما نتذكر ، ذكرى ثورة 17 تموز 1968 ، الأعياد الدينية ... الخ ) . وإن كل من يصنف ضمن هذه المجموعة تكون قيمة مكافأته مليون دينار عراقي لكل مناسبة من المناسبات المذكورة ( المعدل العام لصرف الدينار العراقي لفترة ما بعد الحصار ، كل دولار يعادل ما بين 1600 إلى 2000 دينار .)

المشمولون بهذه الهدايا هم إضافة إلى نواب رئيس الوزراء والوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية ، فإن القادة العسكريين الكبار الذين لديهم مسؤوليات كبيرة في الجيش ، قادة الفيالق وقادة الفرق وقائد القوة الجوية .. الخ ، كانوا مشمولين بالمكافآت المذكورة .
وهكذا فإن هذه المكافآت لا تمنح إلى كل من يحمل رتبة عسكرية معينة ولكن حسب المسؤولية المكلف بها هذا أو ذاك من الضباط الكبار . وحسب قناعتنا فإن هذه الميزات أدت إلى خلق حساسيات كبيرة بين ذوي الرتب العسكرية العالية .

إضافة لذلك فإن أصحاب المواقع المذكورة غالبا ما يتبرع لهم أو لأحدهم الرئيس العراقي السابق بمبالغ نقدية أخرى بحجة تحسين وضعهم ألمعاشي !
ليس هذا فقط بل إن صدام حسين تعود أن يمنح أغلب المذكورين أعلاه هدايا عينية ، كالسيارات الفخمة والمنازل وكذلك قطع الأراضي السكنية والزراعية ... الخ .

ب – أصحاب الدرجة الثانية : يصنف ضمن هذه المجموعة الضباط الكبار الذين لديهم مسؤولية قيادية أقل مستوى من مسؤوليات المذكورين في الفقرة السابقة ، وقد تشمل أيضا وكلاء الوزارات ومن بدرجتهم .

إن الهدايا التي يتسلمها كل من يدخل ضمن هذه الدرجة تعادل 500 ألف دينار عراقي ، إضافة لرواتبهم الاعتيادية ، في كل مناسبة من المناسبات المذكورة .

ج . بالنسبة للمدراء العامين ومن هم بدرجتهم من الضباط والموظفين .

يستلم كل من يشغل إحدى الدرجات الوظيفية المذكورة أعلاه 120 ألف دينارا عراقيا كهدايا في كل مناسبة من المناسبات المذكورة سابقا . إضافة لما يتقاضوه من رواتب شهرية .

أما بقية الضباط والموظفين فلا يحصلون إلا على رواتبهم الشهرية التي لا تكفي في أغلب الأحيان لسد نفقات تنقلاتهم من البيت إلى مقر العمل وبالعكس .
وفي هذا المجال سأقوم بسرد بعض القصص الواقعية التي شاهدتها بنفسي خلال زياراتي للعراق ضمن مشاركاتي في مؤتمرات المغتربين والعراقيين المقيمين في الخارج ما بين 1998 – 2002 .

- بالنسبة للضباط : في أول زيارة أقوم بها لقطرنا الحبيب عام 1998 ، كنت أنتظر سيارة أجرة لتوصلني إلى دار أخي ، فتوقفت سيارة قديمة جدا نوع لادا روسية 1975 ، وهي سيارة خاصة ولكن صاحبها كان مضطرا أن يشغلها ، بعد الدوام الرسمي ، كسيارة أجرة .
تكلمت مع سائق هذه السيارة ، وبعد أن عرفته بنفسي واطمأن لي ، أوضح لي بأنه ضابط برتبة مقدم وبأنه يعمل في إحدى الأجهزة الأمنية – المخابرات العامة ، الاستخبارات العسكرية ، الأمن العام ، الحرس الخاص أو فدائيي صدام – وإن ما يستلمه من راتب شهري لا يتجاوز 60 ألف دينار عراقي .

ولذا فهو مجبر للقيام بهذا العمل لسد رمق عائلته .

وفي آخر مؤتمر للمغتربين والعراقيين المقيمين في الخارج عام 2002 ، كان أحد الإخوان يريد أن يقيم دعوة لي ولبعض معارفه من المشاركين في المؤتمر في داره ، وهو برتبة لواء في الجيش ، ونظرا لكون إمكاناته المالية محدودة ، لا تسمح له بشراء الدجاج من الأسواق المحلية ، لذا كان ينتظر موعد بيع الدجاج من قبل جمعية الضباط ليستطيع الحصول على دجاجتين بسعر مخفض .

ومن حسن الحظ أو من سوئه كنت حاضرا في الجمعية في وقت توزيع الدجاج ، وقد لاحظت :

- إن اللواء المذكور استطاع إقناع اثنين من جيرانه ليقوما بمنحه حصتيهما ، وبهذه الطريقة استطاع الحصول على ستة دجاجات .
- استغربت من كثرة الضباط الذين ينتظرون دورهم ، وكان كثير منهم قد حضر إلى الجمعية بملابسهم الرسمية وهم ذوي رتب عالية في الجيش ، حيث كانوا يقفون في صف طويل ، وكل منهم ينتظر أكثر من ساعة ونصف ليحصل كل منهم على دجاجتين فقط ، يا للمهانة !!
علما بأن قسما من الضباط المتقاعدين ولكونهم من كبار السن ، قد جلبوا كراسي معهم ليجلسوا عليها انتظارا لدورهم .
في الوقت الذي كنت فيه أنظر إلى هذا الصف الطويل وإلى هؤلاء الضباط والعرق يجري كالمطر على وجوههم ، كنت أفكر : كيف يستطيع مثل هؤلاء الضباط احترام صدام حسين أو نظام الحكم في العراق وهم يعلمون جيدا بأن هنالك بعض زملائهم الذين قد يكونون أقل منهم كفاءة ، يعيشون في بذخ ما بعده بذخ ، بينما هم يعيشون في هذه الحالة المزرية .

تكلمت مع اللواء المذكور وقلت له : هل أستطيع جلب آلة تصوير لأصور هذا المنظر ، لأقول للإعلام الغربي بأن ضباط الجيش في العراق لا يعيشون كما تقولون ببذخ ولكن أغلبهم يعيش في حالة مزرية ؟
ولكنه منعني بشكل قاطع موضحا لي بأنك إذا أخذت صورة هنا ستذهب حالا إلى السجن وأنا كذلك .
في الحقيقة هذه هي حالة كافة ضباط الجيش العراقي لا يستثنى منها. لا الحرس الجمهوري ولا غيره .

- إذا كان رائد في الحرس الجمهوري يستلم شهريا ما يعادل 50 ألف فقط ومقدم 60 ألف دينار . فإن ما يحصل عليه العامل في القطاع الخاص يتجاوز كثيرا المبالغ المذكورة . وسأذكر هنا على سبيل المثال ما يتقاضاه أحد العمال البسطاء .
- إن أحد أقربائي المقربين لديه حقل دواجن في الرمادي ( 110 كم غرب بغداد ) وإن الحد الأدنى للأجور في هذا الحقل يساوي 60 ألف دينار إضافة للأكل والسكن التي تكون على مسؤولية صاحب الحقل .

2-أما بالنسبة للموظفين المدنيين : فإن رواتبهم محدودة جدا بالمقارنة مع ما يتقاضاه الضباط . مما أدى إلى انتشار الرشوة بشكل مثير . ودون الإطالة في هذا الموضوع سأروي قصة واقعية مضحكة مبكية أن شر البلية ما يضحك ، ومبكية لأنها تدل على ما وصل إليه الوضع في العراق من انحطاط بالأخص ما يتمتع به الرئيس العراقي السابق من صلاحيات خارجة على كافة ما هو متعارف عليه في الأنظمة الحديثة .

القصة التي سأرويها هنا حدثت قبل زيارتي للعراق عام 2001 بمدة قصيرة وإليكم موجزها :

كانت هناك امرأة تدعى سوقية ، وربما إن سوقية ليس اسمها الحقيقي ، ولكنها لقبت بهذا الاسم لأنها كانت أرملة ليس لها معيل ولذا كانت تجلس في السوق لبيع حب الرقي المسلوق – البطيخ الأحمر أو الدلاع – لتعيل ابنها الوحيد ، وعندما كنا أطفالا كنا نشتري منها الحب المذكور .
هذا الابن أصبح فيما بعد موظفا في الديوان ( الجمارك ) ، ونظرا لثبوت اختلاسه من أموال الدولة وأخذه الرشوة حكم عليه بالسجن لمدة ثمانية سنوات .

ولكن سوقية لم تقف مكتوفة الأيدي بل طرقت كافة الأبواب لغرض إطلاق سراح ابنها الوحيد . ونظرا لكون كافة جهودها ذهبت أدراج الرياح ، قررت أخيرا طلب مقابلة الرئيس صدام حسين ، الذي كان يستقبل ، مرة أو مرتين في الأسبوع ، مجموعة من المواطنين الذين يطلبون مقابلته لحل مشاكلهم ، وكل شخص تسنح له الفرصة بمقابلة الرئيس يحصل على هدية تعادل 250 ألف دينار .

عندما وصل الدور إلى سوقية سألها الرئيس : ها سوقية اشجابك ( أي شيء دفعك للمجيء ) أجابته سوقية : والله سيد الرئيس أنت تعرف ليش أنا جيت ( أي لأي شيء جئت ) ابني الوحيد انتوا سجنتوه ( أنتم سجنتموه ) .
الرئيس : ولكن ابنك باق ( سرق ) .
سوقية : ولكن يا سيادة الريس كل دولتك تبوق من فوق لجوه ( تسرق من فوق إلى الأسفل ) بس اثنين ما يبوقون ( عدا اثنين لا يسرقون ) .
أخذ الرئيس يضحك وقال لها : واحد نقدر نعرفه لكن اثنين ؟
سوقية : نعم يا سيادة الريس الأول أنت ، طبعا ما تحتاج تبوق ( تسرق ) ، والثاني طارق عزيز ، أنت ترسله يوميا للخارج وتكوم عليه الدولارات .
هنا ضحك الرئيس وقرر إطلاق سراح ابن سوقية .

2- الهدايا التي تمنح للحزبيين :
إن أغلب الحزبيين الذين يتبوءون مواقع متقدمة في الحزب كانوا مفرغين ، أي ليس لديهم أي مسؤولية وظيفية أخرى ، وإذا استلم أي منهم وظيفة حكومية بالإضافة لموقعه الحزبي ، فلا يحق له الجمع بين إكرامية المناسبات المذكورة سابقا بصفته قائد حزبي وإكرامية الوظيفة ، بل له الحق باختيار أفضلهما .

بعد هذه المقدمة البسيطة نرى لزاما علينا أن نقوم بعرض أعضاء القيادات الحزبية والحزبيين الذين يستلمون هدايا المناسبات ومبلغ ما يحصل عليه كل منهم في كل مناسبة .
علما بأنه صدر ، عام 2002 ، قرارا تم بموجبه مضاعفة ما يستلمه الحزبيون العسكريون في كل مناسبة ، أي أن عضو قيادة الفرع العسكري يستلم ضعف ما يستلمه مثيله في الفرع المدني .

أ - أعضاء القيادتين القومية والقطرية .

يعاملون معاملة الوزراء وضباط الجيش من الدرجة الأولى ، أي يحصل كل منهم على مليون دينار عراقي وفي كل مناسبة من المناسبات المذكورة . ويحصلون غالبا على كافة الامتيازات التي يحصل عليها المذكورون ضمن الدرجة الأولى .

ب - أعضاء الفروع الحزبية :

وهم بشكل عام ممنوعون من ممارسة أي عمل وظيفي آخر ، ولا يحصل كل منهم إلا على 120 ألف دينارا في كل مناسبة من المناسبات المذكورة أعلاه.

إن المبلغ المذكور في الحقيقة ، ليس كافيا إلا لسد الحاجات الضرورية . وإن عضو الفرع يعيش بمستوى الطبقة المتوسطة في المجتمع لا أكثر .

وفي هذا المجال أود أن أشير إلى الوضع المعيشي لأحد هؤلاء وهو حاصل على الدكتوراه ومسئول عن إعالة عائلة تتكون من ثمانية أشخاص وأغلبهم في الجامعات أو في المدارس .
لقد شكا لي عضو الفرع هذا ما يعانيه من صعوبات موضحا لي بأن زملاءه الذين يقومون بالتدريس في الجامعة يصل دخل كل منهم ، مع المحاضرات الإضافية ، ضعف ما يحصل عليه هو .
مضيفا بان له الحق بإلقاء محاضرات في الجامعة ولكن الأساتذة الآخرين سوف يشعرون بأنه يقوم بمزاحمتهم في هذا المجال . ولذا فهو يحجم عن القيام بذلك .

ج - أعضاء الشعب الحزبية :

إن كل عضو شعبة لا يستلم إلا 80 ألف دينار عراقي عن كل مناسبة فقط . ويكن يحق لعضو الشعبة ممارسة عمل آخر أو وظيفة حكومية بالإضافة لموقعه الحزبي . علما بان أغلبهم موظفون في دوائر الدولة ويستلمون رواتبهم كبقية الموظفين . ولكن إذا عين أحدهم في موقع وظيفي يسمح لصاحبه باستلام مكافئة ، كمدير عام مثلا ، فإن هذا الشخص سيستلم طبعا إكرامية الوظيفة دون استلامه الهدية التي تمنح لعضو الشعبة ، وذلك لأن إكرامية المدير العام 120 ألف دينار ، كما ذكرنا أعلاه .

د - أعضاء الفرق الحزبية .

إن كل ما يحصل عليه عضو الفرقة عن كل مناسبة 50 ألف دينارا فقط ، ولكنه كعضو الشعبة يحق له ممارسة أي عمل أو وضيفة إضافة لموقعه الحزبي .

أما بقية الحزبيين فلا يستلمون أية مبالغ عدا مبلغ بسيط لا يستحق الذكر وهو 2000 دينار عن كل مناسبة ، بصفتهم أصدقاء الريس ، بهذا المبلغ يستطيع أن يشتري نصف كيلو لحم أو كيلو ونصف من التفاح . علما بأن هذه الإكرامية لا تمنح للمؤيدين بل فقط للرفاق والأنصار .


ثانيا : القضايا الأخرى المتعلقة بموضوع البحث .

بالإضافة لموضوع الرواتب والمكافآت التي ، من المؤكد ، كان لها دور كبير في زعزعة الثقة بالنظام السابق وبقادته وعلى رأسهم صدام حسين فهناك قضايا أخرى كان لها تأثيرها الذي لا يمكن إنكاره على انهيار النظام المذكور .

1- منح الرتب العسكرية لبعض أقرباء الرئيس والمقربين له .

نظرا للسلطات المطلقة التي كان يتمتع بها الرئيس صدام حسين حيث كان يجمع بين يديه سلطات : رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة وأمين سر القيادتين القومية والقطرية للحزب الحاكم ، فإنه قام بمنح بعض الأشخاص الذين ليس لهم أية صلة بالجيش رتبا عالية جدا وأولهم صدام حسين نفسه ، الذي لم يقم حتى بأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش .

إضافة لذلك تم منح رتب عسكرية عالية لبعض العسكريين البسطاء وتم ترقيتهم إلى أعلى درجة في السلم العسكري مثلا من عريف إلى فريق .

وكما يعلم الجميع فإن مثل هذه الإجراءات تثير حفيظة الضباط الآخرين الذين قضوا عشرات السنين في الجيش ليصلوا إلى رتبهم التي كانوا عليها . فكيف يقبل هؤلاء العسكريين أن يعين شخص غريب عن الجيش ومؤسساته ليصبح ، بين ليلة وضحاها ، قائدهم الأعلى ، كما تم بالنسبة لصدام نفسه أو لحسين كامل أو لقصي صدام حسين ... الخ .

ولهذه السباب وكما يقال : بأن كامل حسين قام بالخيانة نظرا لخلافاته الشخصية مع عدي صدام حسين وربما أن إحدى الدوافع وراء خيانة رئيس الحرس الجمهوري ، إذا صح ذلك ، تعود إلى خلاف هذا الأخير مع قصي صدام .

وإذا كان صحيحا أن سبب اتفاق رئيس الحرس المذكور مع الأمريكان يعود إلى خلافات عائلية ، بين أفراد الأسرة الحاكمة ، يحق لنا أن نتساءل : هل أن أغلب أفراد هذه العائلة مصابون بمرض الخيانة للأجنبي ؟
لأنهم بدل أن يصفوا خلافاتهم فيما بينهم بأية وسيلة كانت ، أي مثلا قتل صدام وأولاده ، يضحون بالعراق ويقدمون أنفسهم لقمة سائغة لألد أعداء العراق والأمة العربية .

وفي الحقيقة كنا نأمل قيام رئيس الحرس المذكور ، مع من يثق به ، بانقلاب عسكري ضد ابن عمه ، ولو أنه حقق ذلك لجنب العراقيين كل ما عانوه من قتل وتعذيب وتجويع على أيدي القوات الغازية وجنب العراق التخريب والويلات التي عاناها والتي سيعانيها لسنوات طويلة .

ولكن هل أن الصهاينة والأمريكان يوافقون على ذلك أم أنهم يريدون احتلال العراق مباشرة لفرض ما تريده الصهيونية العالمية من شروط لتحقيق مصالحها ؟

2 – رؤساء العشائر .

في بداية ثورة 1968 ، أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا يمنع بموجبه إضافة أي لقب لاسم الشخص سواء كان عائليا أو عشائريا أو ينسب للمدينة التي ولد فيها أو ينتسب إليها ، ثم أصدر نفس المجلس قرارا بالسماح للرئيس أحمد حسن البكر ، رئيس الجمهورية في ذلك الوقت ، بالاحتفاظ بلقبه لكونه أصبح معروفا على المستوى الدولي ، علما بأن ( البكر ) ليس لقبا لعشيرة أو عائلة أو اسما لمدينة .

هذا الإجراء كان الغرض منه القضاء على النظام العشائري وتعزيز الشعور بالمواطنة وبالانتماء للقومية العربية وهو الهدف الأسمى لكل عراقي دون تمييز بسبب الانتماء العشائري .

ولكن بعد غزو العراق من قبل قوات التحالف عام 1991 وما تبعها من انتفاضات وأعمال غوغائية وبالأخص في جنوب العراق وشماله والتي كانت مدعومة من قبل جهات أجنبية ، أمريكا والصهيونية العالمية ونظام الملالي في إيران ، قرر صدام حسين ، بعد أن اكتشف أن التنظيم الحزبي لا يمثل فعلا الإطار الذي تذوب فيه المشاعر العشائرية ، الالتجاء إلى رؤساء العشائر ليقوموا ، حسب تصوره ، بحماية النظام إضافة للتنظيم الحزبي .

ولهذه الغاية قام بمنح رؤساء العشائر المعروفين رواتب ومكافآت وامتيازات كثيرة لا نرى داع لتعدادها . إضافة لذلك ، ففي بعض المدن الصغيرة ، تم تعيين أشخاص ، على أساس أنهم رؤساء عشائر ، مع أن أغلب هؤلاء لا يمثلون سكان المدينة ولا الغالبية من عشائرها . وهؤلاء ، حصلوا طبعا على امتيازات كثيرة .

بعد استقراء هذه الوقائع والقصص يستطيع القارئ أن يستنتج ، بكل بساطة ، بأن عدد المستفيدين من النظام السابق محدود جدا ، وإن الغالبية الساحقة من البعثيين والمواطنين بشكل عام كانوا يحقدون على صدام حسين ونظامه لأنه أعطى أغلب خيرات العراق لشرذمة قليلة من عشيرته ولبعض أبناء مدينته والمقربين له وترك بقية الشعب العراقي يعيش الحرمان وبالأخص في ظل الحصار الغاشم الذي فرضته قوى الشر على العراق .

وأخيرا يجب أن لا يفوتنا ذكر ما قام به صدام حسين من صرف مبالغ خيالية لبناء قصوره الفخمة والتي لا تعد وكذلك لبناء الجوامع الكبيرة التي تحمل اسم الرئيس المذكور في أغلب مدن العراق .

لكل الأسباب المذكورة ألأعلاه فإن الغالبية العظمى من المواطنين لم تكن لديهم أية رغبة للدفاع عن صدام حسين أو نظامه .

والأشخاص الذين كانوا يدافعون عن النظام المذكور جميعهم كانوا يحتلون مواقع متقدمة في الحزب أو الدولة ، إذ كانوا يتخذون هذه المواقف بدافع الخوف من أن تصل مواقفهم السلبية ، في حالة سكوتهم عن الانتقادات التي توجه للنظام أمامهم ، إلى أن تصل إلى صدام حسين أو إلى أحد مقربيه ، وإذا وصلت فإنهم لا يفقدون مواقعهم القيادية فقط بل يفقدون حياتهم وأموالهم ويعرضون حياة عائلاتهم وأقربائهم للخطر أيضا ، كما هو معروف ، علما بأن أغلب الذين كنت ألتقي بهم كانوا من البعثيين وذلك لكوني كنت كادرا متقدما في الحزب المذكور في السبعينيات .

بعد كل ما قدمناه نرى من الخطأ ، عندما يتكلم أحدهم عن النظام السابق ، أن يقول : فترة حكم حزب البعث بل يجب أن يقول نظام صدام ، وذلك لأن حزب البعث كان ، وبالأخص منذ أن أصبح صدام حسين الرجل الأول في العراق ، تابعا للسلطة ولم تكن للحزبيين أية حرية للتعبير عن آرائهم حتى ما كان يطلق عليها المؤتمرات والاجتماعات أو الانتخابات الحزبية ، لم تكن سوى مسرحيات أعد ما يقال فيها أو ما يصدر عنها مسبقا من قبل الطغمة المسيطرة على النظام ، أي صدام والمقربين منه .

إذا من الخطأ القول بأن صدام ظلم الشيعة أو الأكراد أكثر من غيرهم ، لأن الذي وقع عليه الظلم هو الشعب العراقي بكافة مذاهبه وطوائفه ، وللحقيقة نقول بأن أكثر من تضرر في فترة حكم صدام هم السنة ، ولعن الله من أجبرنا على التطرق إلى الطائفية ، وبالأخص سكان مناطق الفلوجة والرمادي وسامراء .

وفي هذا المجال رأينا أحد رجال الدين الشيعة يؤيدنا فيما طرحناه ألا هو الشخماتي الذي يقول ، عن هذا النظام ، : " وزع ظلمه بعدل . ثم يؤكد : " بأن هناك شيء مشترك بين جميع أفراد الشعب العراقي سواء شيعة أو سنة وهو تعرضهم جميعا للظلم ". ويتابع : ، نفس الشخص ، " إن أساس الظلم كان المنفعة والمصلحة وليس كون النظام شيعيا أو سنيا . "

وختاما لتخرس كافة الألسنة والأقلام العميلة والمأجورة ، والتي تحاول الصيد في الماء العكر ، للتفريق بين أبناء شعبنا ومحاولة تقسيمه على أساس مذهبي أو طائفي أو قومي ، وذلك بتأجيج الخلافات الطائفية والدينية لخدمة المحتلين الذين يرفعون دائما الشعار الاستعماري المعروف " فرق تسد " وليكن شعار كافة العراقيين يد واحدة وصوت واحد لقيادة النضال بكافة الوسائل ، وبالأخص النضال المسلح ، لمحاربة القوات المحتلة وتطهير وطننا من كافة المختلين الذين دنسوا تراب أرضنا الطاهرة كي لا يتحول العراق إلى فلسطين ثانية .
.............................
. دكتور في القانون وصحافي عراق سابق مقيم في فرنسا






Aucun commentaire: