قصة قصيرة . ساقطات لا ساقطون
الدكتور عبدالإله الراوي
هذا اليوم هو آخر يوم يكون لي فيه بعض الحرية في التفكير أما غد ، اليوم الأسود الكالح فسيقرر فيه مصيري .
قد يظن القارئ أن هذه الحرية التي لدي الآن أستطيع التصرف بها كما أشاء أو أستطيع بواسطتها أن أغير من مصيري . لا إنهم رسموه وسينتهي غدا سواء رضيت أم أبيت . ولكن لماذا لا أعمل لأدع خططهم الجهنمية ، التي رسموها لي ويريدون إرغامي على قبولها تنهار من أساسها .
ولكن ما لي أحدثكم بهذا الأسلوب حيث أبين لكم آخر ما وصلت إليه قضيتي وأترككم تخبطون خبط عشواء في تبيان الحوادث الأولى والتي هي سبب وصولي إلى هذا الواقع المزري .
حسنا إليكم الخيوط الأولى لقصتي .
كنت وأنا طفلة أعيش مع أبوي في ضواحي بغداد وكان أخوي طالبان أحدهما في الكلية العسكرية والآخر في كلية الحقوق وكانا يأتيان كل نهاية أسبوع لزيارتنا .
وأخيرا وفي أحد أيام الخميس شاهدت أهلي وقد عمتهم الفوضى وهو يبعثرون بأثاث البيت ، قلبوها رأسا على عقب .
وبعد لحظات رأيتهم قد كوموا الملابس والأثاث في رزم مختلفة وشاهدت أخي الضابط ينزل من سيارة حمل تقف أمام الدار ويحث أهلي بالإسراع لوضع الأثاث في السيارة .
نعم أنا أتذكر ذلك اليوم جيدا ، أتذكر صرختي الفزعة عندما أمرتني أمي بالصعود إلى السيارة وقولي لها : أين نذهب يا أماه وكيف نترك دارنا وصديقاتي ؟
أجابتني : سنذهب إلى بغداد حيث سترين البيت الجميل والصديقات الجميلات ، سترين هناك كل شيء جميل .
وهكذا غادرنا قريتنا الضاحكة الهادئة لنستقبل بغداد وزحامها وعويل السيارات والمحركات الأخرى التي بعثت القرف والكآبة في نفسي . لقد علمت أن هذا اليوم كان قبل عشرة سنين أي كان عمري آنذاك سبعة سنين فقط .ذ
لأحدثكم قليلا عما لاقيت في بغداد وفي أحد أحيائها الجميلة كما يقال ، حي مدينة الضباط ، حيث وجدت نفسي على حين غرة أعيش الوحدة الخانقة في هذا البيت الأنيق ، لا زميلات ولا قريبات يخففن هذا الظلام الدامس الذي يطوقني .
كنت في كل صباح أجلس أمام الدار علي أجد طفلة من أقراني لنلعب سوية ، ولكني كنت أشاهد الفتيات يخطرن أمامي أسرابا وكل منهن تحمل حقيبتها |أو مجموعة من الكتب والدفاتر دون أن يعرن لي ، أنا الطفلة القروية المسكينة التي تعاني الوحدة ، أية أهمية أو انتباه ، كنت أراهن يمرحن ويضحكن دون أن أجد الشجاعة لأكلم إحداهن .
وفي أحد الأيام وقفت في منتصف الطريق ومررن بي وهن يمرحن كالعادة . سمعت إحداهن تقول وهي تومئ إلي : لماذا لا تذهبين إلى المدرسة معنا ؟
هرعت إلى أمي وأنا أصرخ ، حيث تبين لي أن باستطاعتي أن أساويهن ، قلت لها ودموع الفرح تتساقط كالمطر على وجنتي : أماه غدا سأذهب إلى المدرسة مع بقية الفتيات .
فوجئت عندما رأيت أمي وقد تغيرت ملامح وجهها دالا على تعبير غامض يخفي ثورة مكبوتة ثم ضمتني في أحضانها وأخذت تربت على وجهي ورأسي ودموعها تتساقط علي خدي ، وقالت وهي تحاول مغالبة عبراتها : حبيبتي لم يحن الوقت بعد لتذهبين إلى المدرسة فنحن لسنا مثل هؤلاء . انتبهي لا تتوهمي وتكرري هذا الكلام أمام والدك أو أخويك لأنهم سيؤذونك .
هكذا خاب الأمل الأول والحلم المرتجى الذي كنت توسمت أن بواسطته أستطيع مساواة الأخريات أمثالي ، ولكن رغم تحذير أمي قررت أن أخاطر وأكرر الطلب أمام والدي وأخوي لأرى ما سيكون رد فعلهم فأنا لم أهتم لتهديدات والدتي .
وفعلا في أمسية نفس اليوم عرضت حلمي على الجميع . وقد دهشت لتصرف والدي الغريب وهو يقف ، وكأن آفة تطارده أو أفعى لدغته ، وينبري خطيبا موجها كلامه لأخوي :-
هذا أول ما كنا نخشاه . طفلتنا نحن أبناء البيوت المعروفة تريد الذهاب إلى المدرسة لتصبح كالفتيات الساقطات ، أحذركما من أي تشجيع لهذه البنت أو أمها عندما يحاولن مجاراة ما تسمونه أو يسميه الذين يدعون الثقافة بأنه تقدم أو مسايرة لروح العصر سحقا لهم ولثقافتهم ، نحن لسنا مستعدين لهدر شرفنا أمام روح العصر الزائفة .
رأيت والدي بعد هذا الخطاب يلهث وكأنه كلب يسير في الرمضاء ، كان يرتعش وكأن ساقيه عجزتا عن حمله ويستنجد بالمقعد . نظرت لأخوي لأتأكد بأن هذه العبارات وجدت المرعى الخصب في نفسيهما .
ومنذ ذلك اليوم بقيت لا أستطيع المطالبة بأي شيء مهما صغر شأنه خشية من إثارة والدي أو أخوي .
قبل عدة أيام سمعت والدي يكلم أخوي بشأن زواجي ، سمعته يمتدح أحد الأشخاص الذي طالما رأيته يتردد على دارنا وهو من أقاربنا ، ويقول لهما بأن هذا الرجل أهل للزواج بابنتنا . وسمعت أخي الضابط يبين له بأن هذا الشخص دون مستوى عائلتنا وأنه فقير لا يستحق الزواج بها .
وهنا انبرى الأخ الثاني معلقا على ملاحظته قائلا : يا أخي أنت تناقش قضية من واجبنا أن نعتبرها منتهية وذلك لأننا لا نأمل أن يتقدم خيرا منه لأن الظروف تغيرت وجميع من تفكر بهم لا يقدمون الآن للزواج إلى على فتاة وصلت مرحلة مهما تكن قليلة من الثقافة .
ورد أخي الضابط قائلا : صحيح ما قلت ولكن أتقبل أن تتزوج اختنا من إنسان لا يملك سوى حانوت بسيط يعتاش منه ؟ فأجابه : ولكننا مضطرون ما العمل .
وقبل خمسة أيام سمعت والدي يذكر أمام جميع العائلة بأنه وافق على زواجي من الشخص المذكور وبعد ستة أيام سيتم عقد القران .
وفي هذه الليلة وقبل حوالي ساعتين مررت أمام غرفة أخي الضابط وسمعت الضوضاء تعمهم هو وأخي الثاني والشخص الذي يريدون تزويجي إياه وشابين آخرين وأردت أن اكتشف فحوى أحاديثهم .
التصقت بباب الغرفة حيث كنت مختفية خلفه فسمعت ما لم أسمعه من قبل نعم سمعت أخي الضابط يقول لخطيبي : يا لك من أبله ، كم ضيعت علينا من فرص ، فلانة وفلانة رأيتهن أمس مع أحد الأشخاص ونحن خسرناهن بسبب بلاهتك .
ثم سمعت خطيبي يرد عليه قائلا : يا جبان تلقي التبعة علي وتنسى نفسك ، لولاي من يستطع أن يجمع شمل هذه الزمرة الطيبة ويؤجر الشقة باسمه ولا يترككم يوما بلا صيد دسم وفوق هذا تتهمني بالبلاهة ولكن الملامة علينا حيث قبلناك عضوا في جمعية الشباب المتحررين .
وهنا انطلق أخي الآخر موجها كلامه لخطيبي بالقول : بورك فيك ولكن ما حاجتك لتبين حسناتك ألم ننتخبك سكرتيرا للجمعية ؟ ، وأقترح أن تتركونا من أحاديثكم هذه ولنتكلم بموضوع جدي ، لنفكر بالزواج أنا أريد أن أتزوج فماذا ترتئون ؟
فأجابه أخي الضابط قائلا : يا أخي أنصحك بشيء واحد وهو أن لا تفكر بالزواج من خريجات الكليات والمعاهد العالية لأني ليس لدي ثقة بأي واحدة منهن ، لا أستطيع أن أقول جميعهن ساقطات ولكن من يمكنه أن يقنعني بأن فلانة هي الإنسانة العفيفة من بينهن .
وهنا عدت إلى غرفتي لأفكر لماذا يعدونهن ساقطات ولا يعدون أنفسهم ساقطين ؟
لماذا يستجيبون لدافعهم الغريزي وبكافة الوسائل الحقيرة ويعتبرون المرأة ، التي لديها الدافع الغريزي الأقوى مجرمة وساقطة ؟
لماذا يعتبر المجتمع تصرف الذئاب بحيلهم االثعلبية لاصطياد الفتيات ببراءتهن الطاهرة أناسا طبيعيين غير ساقطين ويعتبر الفتيات مجرمات وساقطات ؟
لماذا يسمحون لأنفسهم بالتصرف على مشيئتها ولا يحاسبوها ويطلبون من الفتاة أن تقيد نفسها بقيود حديدية بحيث لا تستطيع أن تعبر أدنى تعبير عن إرادتها ؟
م اتجه تفكيري إلى ذلك الشاب وأنا أتخيل حركاته الخليعة الماجنة وهو يتكلم بكل فخر عن الفتيات اللواتي استطاع إيقاعهن لجعلهن مطايا لإشباع رغبته ورغبات الأخوين والأعضاء الآخرين مما يطلقون عليه ( الجمعية ) . هذه الرغبات البهيمية الدنيئة ، نعم هذا الشاب الذي من مهازل القدر يريدون ربطي وإياه في علاقة زوجية أي سيتملكني كما يقولون ، علاقة تدوم مع الحياة .
هذا الشاب الذي لا أعرف عنه قبل هذا اليوم أي شيء ، أخلاقه سيرته عمله نفسيته .. الخ ، أليس من الجريمة أن يربطوني وإياه دون أن يسألوني ولو مجرد سؤال عن رأيي في هذا الموضوع وكأن لا صلة لي به نهائيا ، وكأنهم يقررون مصير حيوان معين أو آلة .
يا لهم من حقراء ومجرمين والدي وأخوي والآخرين على شاكلتهم .
أنا يجب أن أكون الطرف الرئيس في القضية للتعبير عن رأيي كإنسانة ، كبشر لديه الحق للتعبير ، لا أوافق أن أكون مجرد حيوان بسيط يتصرفون به كما يشاءون ، ولكن ما العمل لم يبق لدي أي سبيل لقد سدت كافة الوسائل في وجهي فبعد ساعات سيأتي السيد والشهود لوضع القيد في رقبتي ثم بعد ذلك سيتم تصديق القاضي على العقد.
ولكن يجب أن أجهض ما رسموه ، علي إيجاد الوسيلة لأحطم خطتهم الجهنمية . أنا لا أستطيع مقابلة هذا الشخص مجرد لقاء فكيف إذا بإمكاني أن أعيش معه حياة قد تطول وقد تقصر ؟ الآن يجب أن أنهي الموضوع ، وطبعا ليس أمامي إلا أسلوب واحد هو الانتحار .
الانتحار يا لها من أحرف خفيفة اللفظ ثقيلة المعنى ، إن هذه الكلمة نثير أعصابي وتدعني أغوص في الأعماق البعيدة الغور لمحاولة اكتشاف معنى الحياة . حسنا سوف انتحر أي سأذهب إلى العدم طبعا وأنسى هذه الفترة التي سميت الحياة . ولكن لا أدري ماذا كان دوري فيها وهل أخذت منها شيء أو أعطيتها شيء .. لا أبدا .
ولكن هل كان الآخرون أحسن حظا مني ؟ طبعا لا رغم أن بعضهم يدعون بأنهم قاموا بأعمال ايجابية ، ولو سألتهم عن خذه الأعمال لأجابك أحسنهم حظا بكونه ساعد الآخرين على الاستمرار بالحياة ، ولو سألته ولم استمرارهم هذا وهل هنالك هدف معين لهذه الاستمرارية ؟ لأدار طهره عنك واتهمك بالجنون .
هذه الحياة التي تفرض علينا حيث نلقى فيها وأعيننا مغلقة عن كل سبب أو علة لوجودنا . وأخيرا نعود بعد أن تنتهي جولتنا فيها إلى العدم ونحن مجبرين أيضا ولا ندري هل سننعم بالحياة الأخرى أو نعذب .
ولكن أنا سأغادرها مختارة ، هازئة بما خططوه لمستقبلي ولأكن عبرة لمثيلاتي .متوسلة بسبحانه وتعالى أن يغفر لي .لأني لم أجد مخرجا آخر لما أما فيه .
كتبت في بغداد. بتاريخ . 27/3/1964
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire